حميد سباع: القائمون على الثقافة لا يهتمون بإدماج الفنون بشؤون المجتمع
دائما عندما نقتربُ من المُبدع بحثا عن خفايا سؤال ما.. تقُودنا مُتعة الانتقاء إلى اختزال أشياء كثيرة.. تضعُنا أمام بوابة اكتشاف ورطة جميلة نضيعُ معها ما بين الواقع والحُلم.. هكذا كان إيقاعُ الفن بالنسبة للتشكيلي المُتميز قلباَ وروحا حميد سباع ومؤلف كتاب "الفنّ التّشكيلي وعالم المكفوف" والباحث في مسألة "تطبيق تقنيّة براي على الفنّ التّشكيلي". تعددت الأسباب كي ندخل عالمهُ المُنبثق من تجربة إنسانية تتواصلُ مع الآخر كخطاب تشكيلي فنّي.. تعكسُ لنا رموز الإدراك التي حرص على إدراجها بلوحاته.. كأقوى رسالة فنية تتجسدُ بالواقع.. ولأن حدود استيعابنا لمضمون ما يلخصهُ لنا منتوجهُ الإبداعي والفني يفوقُ تصوُرنا.. كان لنا معهُ هذا الحوار ..
ما سبب عـُزوف الجماهير عن معارض الفن التشكيليّ، وما هي الخطوات التي قُمت بها من أجل الرُقي بهذا الفن حتى يصبح فنا جماهيريا؟
سبب عزوف الجماهير أو مجتمع معين إن صح التعبير راجع إلى عدة عوامل وأسباب، أولا المنظومة التربوية التي كانت السبب الأول في هذا العزوف أو القطيعة لأنها لم تعطي للفنون بصفة عامة أهمية كمادة من المواد التربوية على أساس أنها جزء من ثقافة الشعوب ومصدر حضارتها إلا لأمر واحد فقط وهو اتخاذ بعض أساليب الفنون كالفن التشكيلي والمسرح والطرب للترفيه عن النفس خلال المناسبات في مدة معينة أو من خلال اختتام السنة الدراسية، ومن جهة أخرى، القائمون على الشؤون الثقافية لم يكن لهم دور فعال عن طريق إدماج ثقافة الفنون بشؤون المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بالفن التشكيلي، أيضا هناك سبب آخر، ومن جهتي أعتبره لوما وعتابا على الفنان نفسه وحتى القائمين والمنظمين للمعرض الذين لم ينظروا إلى الأجيال الصاعدة ويقدموا لهم دعوات وتنظيم أيام دراسية لهم وإشراكهم في هذا المجال الراقي عند المجتمعات الغربية.. وهذه النقاط تطرقتُ إليها بالتفصيل وأكثر في كتابي "الفن التشكيلي وعالم المكفوف".
أما في ما يتعلق بالخطوات التي قمت بها أجل الرقي بهذا الفن، فـ"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت "، وبحكم موهبتي وما تمليه علي أفكاري كفنان، أسعى دائما وجاهدا بتقديم ما يجعل الفن بوطني والعالم العربي أكثر رُقي، إذ يستحيل على أي كان أن يرقى بفن ما، وسط مجتمع لا تعتبر الفنون من اهتماماته أصلا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
هل حقا تشعرون بعُزلة اللوحة التشكيلية أمام الأشكال الفنية الأخرى؟
اللوحة التشكيلية هي في الأصل نتيجة أفكار فنان إما أن تكون محاكاة لموضوع ما، أو رسالة موجهة.. أما بخصوص قولكم أنها "عزلة"، فبالنسبة لي أعتبره أمراً نسبيا، كون قيمة اللوحة تبقى قائمة لدى صاحبها والمهتمين بها، أما كونها معزولة فهذا يعود إلى إرادة المجتمع في عزلة نفسه.
هل يمكن أن تُحرضك مادة ما على إيجاد موضوع للوحاتك، أم العملية عكسية؟
إذا كان الأمر يتعلق بالأسلوب الجديد وقواعده الذي ابتكرته لفئة المكفوفين، بهذه الحالة سأكون مُجبرا على اختيار المادة المناسبة لإنجاز لوحة حتى تسهل قراءتها من قبل المكفوفين.. أما في ما يخص المادة أو الموضوع المُراد التطرق له والتعبير عنه بأسلوبي الخاص الموجه لفئة المكفوفين، فكل المواد قابلة لأن تكون مصدر تحريض، يكفي فقط أن هذه الفئة المعنية محرومة من رؤية العالم الخارجي ..
معلوم أن لكلُ لوحة فنية خُصوصيتها التعبيرية والجمالية المُرتبطة بـ "حجمها، لونها، مدى مُقاومتها للبقاء وكلفتها اقتصاديا"وبعد أخذ خصوصية اللوحة بنظر الاعتبار، يا ترى هل تنبثق القيمة الجمالية لأي لوحة من ناحية موضوعها، أم من أسلوب الفنان، أم من كليهما معا؟
اللوحة الفنية.. أنا أعتبرها عروس أروقة المعارض، لأنها تمتاز بجمال وتجانس الألوان وما تحمله من مشاعر تعكس جماليات الواقع، وإذا أردنا أن ننظر إليها بالتفصيل من حيث المضمون والأسلوب والمدرسة التي تنتمي إليها وكذلك الإتقان بهذه الحالة نضعها محل النقد الفني بعد ذلك، تتبن لنا قيمتها الجمالية والموضوع الذي تتضمنهُ، بحيث لا نستطيع الحكم على الأسلوب عموما، لأن لكل فنان خصوصيته من حيث ممارسته لإبداعه ..
حرصت على تقديم فكرة تقنية "البراي"، حيث ساهمت خطوتك هذه إلى حد ما في نشر ثقافة لا محدودة للفن التشكيلي إبداعا ونقدا وتأريخا، سأكون مُمتنة جدا لو تفضلتم بالحديث عن هاته المرحلة المُهمة من خلال مُحاكاة فئة المكفوفين تشكيليا؟
أنا قمت بتطبيق تقنية "براي" على الفن التشكيلي، وأخذت فنا من الفنون القديمة وهو النحت البارز كما أشرت إليه في كتاب الفن التشكيلي وعالم المكفوف، ووضعت له قواعد مدروسة من جميع الجوانب حتى يسهل على المكفوف التمكن من قراءة اللوحة دون الحاجة إلى وسيط، أيضا بإمكانه مُمارسة الفن التشكيلي بمفرده، لذلك فأنا أعتبرُ أنني قد قدمتُ مبادرة لهذه الفئة من المجتمع التي تُعد محرومة فعلا من الاستمتاع بجمال هذا الفن الراقي والذي هو بالدرجة الأولى يعتبرُ حكرا على المبصرين سواء من ناحية التذوق أو الممارسة، وعندما يأتي يوم وتُعتمد فيه هذه الفكرة أو هذا الأسلوب الجديد الذي أتيتُ به، وقتها فقط نستطيع القول بأن الفن التشكيلي عالم غير محدود.. وأنه لم يعد حكرا على أحد .
كيف توازن بين "حميد سباع" الإنسان و"حميد سباع" التشكيلي؟
حميد سباع كباقي الناس والحمد لله رب العالمين على نعمة الموهبة التي ألهمني الله إياها، بحيث أحاول قدر المستطاع تقديم المساعدة والنصح لأي كان سواء من المهتمين بهذا المجال أو خارجه، و"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وحتى أميز وأوازن بين "حميد سباع" الفنان والإنسان، أظن أن الأمر يعدُ صعبا بعض الشيء نظرا لتشابههما بآن واحد، إذ لا توجد ثغرة فاصلة بينهما .
ما هي المدارس التي تأثرت بها في مسارك الفني؟
وجدت نفسي أرسم منذ الطفولة، وكانت كل الأساليب تعجبني ولم أتأثر بأي فنان بقدر ما كنتُ متأثرا بالمُقبلين على زيارة المعارض، فتساءلت بيني وبين نفسي هل يوجد من بينهم أشخاص مكفوفين، ولماذا لم تقدم لهم دعوة كباقي المبصرين .
كيف تُواجه فظاعة الواقع المُحيط بكل فنان في بعض الأحيان؟
لا أستطيع التعبير عن ما يختلج بصدري فعلا، أو الدخول بحديث يخص هاته التفاصيل، حول هذا الموضوع تحديدا، فالواقع المزري بدوره يطرح عدة تساؤلات أهمها لماذا هجرةُ الفنانين والفن على حد سواء؟ بينما الأسباب يعرفها العام والخاص.
هل استطعت كفنان تشكيلي أن تُسقط بلوحاتك أعمالا فنية لها بصمات خاصة جدا بـ "حميد سبع" على غرار ما تتناولهُ بلوحاتك؟
لا أستطيع تزكية نفسي وليس من حقي قول أي شيء عن أعمالي، حيث يقول المثل "لا أستطيع أن أرى نفسي من نافذة البيت وأنا في الشارع"، لكنني وجدت نفسي أعرض في أروقة الظلام لجمهور لا يستطيع أن يراني ولا يستطيع أن يرى أعمالي إلا بحاسة اللمس .
نظمت العديد من المعارض المتميزة، فما هي القيمة المضافة التي أتت بها؟ وهل تمكنتم من تكوين جمهورا ومحبين لهذا الفن، أم أنه مقتصر بالمشتغلين به فقط؟
أقمت عدة معارض بدايتها كانت بمدينة تيارت سنة 2004 كتجربة أولى، حيث نالت إعجاب الجمهور والمكفوفين على وجه الخصوص، والنتيجة وقتها كانت تأليف كتاب تحت عنوان "الفن التشكيلي"، لكن الوضع بقي كما هو عليه إلى يومنا هذا ولم تلتفت الجهات المعنية إلى هاته الخطوة التي تعدُ تقدما بالفن التشكيلي من باب رسالتها نحو فئة معينة ومساعدتهم على مواكبة جماليات الحياة رغم "ظلمتها" ولا حتى للمعرض التي روجت له أوساط إعلامية كثيرة ولاقى استحسانا جماهيريا من طرف المتتبعين والمهتمين، فيما ييتعلق بالتكوين، لدي برنامج مع بعض الأصدقاء المكفوفين حتى نقوم بتجربة، نحاول من خلالها تقديم معرض من إنجاز هاته الفئة إنشاء الله، وبمجهوداتهم الخاصة، وتحت إشرافي.
غلاف الكتاب
نعلم أن أي عمل فني تسبقه خطوات، فهل تتبع في عملك الفني تلك السياقات المتعارف عليها وهي "الفكرة ثم التخطيط ثم التنفيذ"، أم هناك أمورا أخرى تتبعها؟
كما نعلم أن الفن ليس علوم دقيقة أو له منهج معين يتبع به، بقدر ما هو يعتمد بالأساس على المَلكة "الموهبة" والإلهام والاعتماد على اللحظة المناسبة التي توحي بفكر العمل وتلك اللحظة ليس لها مكان ولا زمان، ولا حتى مصدر معين.
إذا كان كذلك.. هل يُمكننا القول أن ثمة تفاعلاً متواصلاً مابين الفكرة والمادة يحصلُ عندك خلال تنفيذ العمل؟
التفاعل دائم بينهما الفكرة وحدها لا تكفي و المادة وحدها لا تكفي هما وجهان لعملة واحدة بمعنى هذا مكمل للآخر.
هل تدفعكم الضرورة التعبيرية والجمالية أحيانا إلى اشتمال الطبيعة الفنية على الرسم، أم ماذا؟
إذا كان الأمر يتعلق بالفن ذاته فلو لا التعبير والجمال ما استطعنا تسميتهُ كذلك. إذا كان الأمر يتعلق بالطبيعة الفنية فالفن انفراد بالجمال والطبيعة هي الجمال.
هل للضوء والظل أثر كبير على استشفاف خلجات اللوحة الباطنية؟
أكيد للضوء كما للظل اثر على استنطاق الباطن الفني للإنسان، ولا ننسى أن الضوء بنيت عليه فكرة الفيزياء الكانتية quante التي اشتهر بها انشتاين .
قُـمت بتقديم شُروحات في تطبيق تقنية "براي" على الفنون التشكيلية بكتابك "الفنّ التّشكيلي وعالم المكفوف"، هل أدت هذه الخُطوة إلى تغييرات جوهرية في الأفكار وأسلوب عملك أو تقنياتك؟
تغيرات وقعت حينما تأثرت بشريحة المكفوفين قبل أن أرسم وأكتب لهم ولما جسدت هذا الحلم على أرض الواقع ولد حلم آخر، وهاجس يراودني دائما ولست أدري أين يتحقق هذا الحلم وإن لم يتحقق هذا ببلادي فأرض الله واسعة. وحُلمي هو أن يترجم كتابي إلى لغة "براي" حتى أشعر بأنني قدمت أكبر نسبة مئوية لهذه الفئة .
رسالة ترغبُ بإيصالها أو تبليغها لوزارة الثقافة؟
في الحقيقة.. ليس لدي أية رسالة ولا حتى كلمة يمكن قولها لوزارة الثقافة أو حتى وزارة التضامن كونها وصية على فئة المكفوفين.. يكفيني أني حققتُ حلما راودني منذ 1997، لذالك الرسالة الوحيدة التي يمكن تبليغها هو الإصغاء والاهتمام بكل المُبادرات دون تحيز أو حسابات مسبقة، لأنه يقال إن "سر عظم الأمور أهوانها"، وأيضا "ومن صغر النوى ترى الشجر".. وأخيرا أسأل الله أن تجد كلمتي الإصغاء، ولكم مني جزيل الشكر وليومية "البلاد" التي تحاول بدورها تسليط الضوء بأقلامها على مختلف المواهب، وأيضا شكري موصول لجميع الإعلاميين الذين وقفوا إلى جانبي يوم صدور كتابي ويوم عرضه ومناقشته على المكفوفين.. والذين ساهموا بدعم الفكرة التي أنشأتها.. بالتوفيق للجميع والله المستعان بكل شيء ..